نساء اليمن.. فريسة الحرب الأولى

0
112

محمد يحيى

تضطر أمينة (45 عاماً)، وهي نازحة من محافظة الحديدة إلى صنعاء، للخروج من منزلها كل صباح، حاملة حقيبة تحوي منتجات من البخور والعطور قامت بصناعتها، والسير في الشوارع والأسواق للبحث عن مشترين لتلك المنتجات، كون ذلك بات السبيل الوحيد للعيش، لها و3 من أولادها، ووالدة زوجها، نتيجة الحرب والأوضاع المأساوية التي تعيشها اليمن منذ مارس 2015.

تقول أمينة: “زوجي توفي قبل عامين ونصف، نتيجة مرضه بالسرطان، قمنا ببيع كل مدخراتنا حتى منزلنا في الحديدة، لغرض علاجه، إلى أن توفي، بعدها وجدت نفسي مسؤولة عن أسرتي ووالدته، بقينا مستأجرين بيتاً في الحديدة، حتى اشتدت الحرب في المحافظة، اضطررنا للهروب والنزوح إلى صنعاء”.

عن المساعدات من قبل المنظمات، تضيف في حديثها لـ”يمن سايت”: “منذ انتقالنا إلى صنعاء، لم نرَ أية منظمة أو جهة قدمت لنا مساعدة، رغم أن كثيراً من المنظمات قامت بأخذ بياناتي وبيانات أسرتي، وأنا أعمل ليل نهار لتوفر إيجار المنزل والأكل والشرب”.

مأساة أمينة، لا تختلف عن حال أم حسام (57 عاماً)، من محافظة تعز، والتي فقدت رجلها اليمنى بسبب انفجار لغم من بقايا الصراع الدائر، ولولا التبرعات التي جمعت من الأهالي لشراء ساق صناعية، لما كانت قادرة على السير.

ولا تختلف المأساة أيضاً، عن حال كثير من النساء في اليمن، اللوتي نالت الحرب منهن بالمقام الأول، وأذاقتهن صنوفاً متعددة من العذاب، بدءاً من الأثر النفسي والاجتماعي والأسري لفقدان أقاربهن في جبهات القتال، وتحمل نتائج ذلك، وصولاً إلى تعرضهن لكثير من الانتهاكات من أطراف الصراع، والكثير من صور المعاناة التي لا تتوقف.

يقول نيستور أوموهانجي، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن: “تشكل النساء والأطفال ما يقرب من 76% من النازحين، ووسط كل هذه المصاعب، في معظم الحالات هن من يتحملن عبء إعالة أسرهن، وتصاعد الصراع والأزمات الإنسانية، أدى إلى إضعاف وضع النساء والفتيات في المجتمع اليمني”.

وعن حجم الانتهاكات الواقعة بحق النساء، اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها الأخير عن اليمن، أن نسبة العنف ضد المرأة في اليمن، بلغت 63% منذ تصاعد الصراع، وأن تصرفات الأطراف المتحاربة زادت من التمييز والعنف، كما زادت نسبة زواج الصغيرات نتيجة الحرب، والأوضاع الاقتصادية.

لينا الحسني، رئيسة مؤسسة أكون للحقوق والحريات، تعتبر أن المرأة هي الخاسر الأكبر من الحرب، ومعاناتها متعددة، فالنساء فقدن معيل الأسرة، ويفتقرن لكثير من مقومات الحياة من أمن غذائي ورعاية صحية، كما أنهن فقدن أعمالهن  ومن استمرت منهن في عملها فهي بدون مرتب بعد انقطاع الرواتب لأكثر من 3 أعوام.

وتضيف الحسني، في حديث خاص لـ”يمن سايت”: “لم تتوقف معاناة المرأة عند تلك الحدود، بل تصل لما نشاهده من محاولات متواصلة من قبل أطراف الصراع، التي تعمل على الزج بالمرأة في الصراع الدائر، من خلال جعلها تتبنى التعصب والنهج التحريضي مع أو ضد هذا الطرف أو ذاك”.

وحول دور منظمات المجتمع المدني في مساعدة النساء في اليمن في ظل الحرب، تقول لينا: “نحاول كمنظمات، ولو بالإمكانيات المتاحة، عمل مساحات آمنة، أو صديقة للنساء، لمساعدتهن والتخفيف عنهن، ولو بقدر بسيط، وما يتوجب فعله حالياً ولاحقاً، هو تنفيذ برنامج تأهيلي نفسي وصحي متكامل لترميم ما تركته الحرب من مشاكل نفسية واجتماعية لديهن، كما يجب على المستوى الاقتصادي العمل على برامج لمساعدة النساء في تمويل المشاريع الصغيرة، للمساهمة في توفير دخل يكفي للحاجات الأساسية، وقابل للتطوير مستقبلاً”.

بدورها، تقول نسيم الشرفي، رئيسة منظمة نسمتي لتدريب وتأهيل المرأة، لـ”يمن سايت”: “المرأة نصف المجتمع، لكن في بلد تسكنه الحرب لسنوات، فهي المجتمع بأكمله، كونها تحملت ما لا طاقة لها به، ولازالت كذلك، وباتت هي المعيل للأسرة”.

وترى أن “أول حل لمعالجة معاناة النساء والمجتمع ككل، هو توقف الحرب، وجلوس أطراف النزاع على طاولة واحدة”.

 منظمة “رايتس رادار لحقوق الإنسان في العالم العربي”، وثقت آلاف الانتهاكات ضد المرأة في 19 محافظة يمنية، منذ بدء الحرب، ورصد تقرير صادر عنها في مارس الماضي، بعنوان “اليمن، النساء في مهب الحرب”، نحو 16.667 انتهاكاً ارتكبتها أطراف الصراع المسلح في البلاد بحق النساء، خلال الفترة من سبتمبر 2014 حتى نهاية ديسمبر 2019، موزعة على 19 محافظة، تنوعت الانتهاكات بين 919 حالة قتل، و1952 حالة إصابة، بالإضافة إلى 384 حالة اختطاف واختفاء قسري وتعذيب.

ترى باسمة الحدي، وهي ناشطة والمدير الإعلامي لدى مؤسسة غراس للتنمية المجتمعية، في حديثها لـ”يمن سايت”، أن الحرب مثلت أكبر انتهاك في حق المرأة، يأتي بعد ذلك العديد من الانتهاكات التي تعتبر آثاراً للحرب  مستمرة حتى الآن، معتبرة أن واقع الحرب فرض على النساء الكثير من الواجبات والمسؤوليات، التي كانت ولازالت صعبة، زاد من صعوبتها، القيود والعادات والأعراف التي تمارس على النساء حتى من قبل الحرب.

وتقول صفاء مرشد، وهي باحثة اجتماعية، وتعمل حالياً على رسالة دكتوراه في علم النفس: “الانتهاكات بحق المرأة لها تاريخ قبل الحرب، كون المجتمع اليمني ذكورياً، تضاعفت تلك الانتهاكات بشكل مرعب أثناء الحرب، وأنا هنا لست بحاجة إلى تعداد الانتهاكات التي باتت معروفة، لكن أبرز الأمثلة الكارثية، تتمثل في أن المرأة تجني تبعات حرب ووضع لم تصنعهما أو تكون شريكاً فيهما، بل صنعهما الرجل، ثم تجبر هي على تتحمل الآثار والمسؤولية العظمى، ورغم ذلك لا يُسمح لها أن تكون جزءاً من الحل أو صنع القرار، من قبل كافة الأطراف، حتى للأسف من قبل المنظمات الدولية، التي تجعل من النساء ديكوراً ليس أكثر”.

مع استمرار الحرب، تستمر معاناة النساء، بل معاناة المجتمع ككل، ووفقاً للأمم المتحدة، فإن اليمن يشهد حالياً أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج حوالي 24 مليون شخص، أو 80% من السكان، إلى مساعدات.

يزيد من قتامة الأمر، سوء إدارة وسوء تقدير واضحان لطرفي الصراع، يثبت ذلك كم هائل من الوقائع والمعاناة، خلال سنوات الحرب، ولازالت مستمرة حتى الآن.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا