قاسم البصير الذى لم يمر العمر على جسده وصوته القوي

0
44
قاسم البصير

محمد عبد الوهاب الشيباني – يمن سايت

 

حينما كان يمر في شارع السوق قبل خمس وأربعين سنة لم يكن يجذبني صوته المُرَتلّ وهو يسأل الحسنات من الناس فقط، أناقته أيضاً: حذاء مُلَمّع وشربات نظيفة تغطي جزءاً من ساقيه السمراوين وتتكفل الفوطة العدنية بتغطية المتبقي منهما، شال على الكتفين وكوفية مشغولة بعناية، وكوت مقلم على قميص نظيف، والأهم الكَمَر الأخضر الذي يربط به الفوطة.

ما إن يقترب من الدكان ،الذي يعمل به والدي، حتى يتحسس بعصاه اللامعة درجة الفوتبات المرتفعة قليلاً ثم يطلق سلاماً مرتلاً لصديقه القديم الذي يعرفه من أيام الشيخ عثمان من مطلع الستينات، بهيئته تلك وبمهنته ذاتها.

صباح يوم جمعة قال لي، بعد أربعين عاماً، حينما وجدته بالمصادفة في سوق القاع بذات الهيئة والاناقة، ولفت إنتباهي الى موضعه في مدخل السوق: صوته المرتل بذات الكلمات التي انحفرت في ذهني الصغير هناك في السوق المركزي.

وشدّني أنه ترك تعز منذ سنوات طويلة، وانه لم يزل يتذكر والدي من صوته .

بعدها بفترة التقيته في محل لبيع الدجاج في الحي الذي أقطنه، وقال لي إنه ولد في إحدى نواحي بلاد العواذل بالقرب من البيضاء في سنة الجدري الذي أفقده بصره طفلاً، وهاجر الى عدن فقيراً ليقتات من عماه، وأنه غادر الى تعز في السنة التي غادر فيها عدن الشيخ محمد سالم البيحاني الذي تكفل به في مستقره الجديد.

وحينما وجد الناس تهج من تعز الى جبال صنعاء باع مسكنه الشعبي والتحق بهم، ووجد مسكناً يلمه مع أطفاله الذين صاروا كبارا، رأيت لاحقاً أحدهم وهو يساعده على ركوب باص يقله الى احدى وجهاته في المدينة.

لم يزل قاسم البصير بذات الهيئة التي عرفته بها قبل خمسة وأربعين عاماً وكأن العمر لا يمر على جسده الأسمر وصوته القوي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا