حتى لا نقطع الرجاء

0
164

 حسن العديني

ثمة مخاوف، مع ذلك لا يجب أن نقطع الرجاء.

ذلك هو الشعور الطاغي حيال ما أعلن في الرياض عشية عيد الأضحى.

 اتفاق يفسر اتفاقاً أو يرتب لتنفيذه. ولقد دلت تجارب عديدة على أن ما يخرج من عاصمة جارتنا الشمالية، يحمل من الظنون أكثر مما يوحي بالبشائر. هكذا على الدوام، وإن تغيرت القصور التي جرت فيها المراسيم، وتبدلت أسماء الذين أشرفوا وأحاطوا بالرعاية.

سأكتب جملة اعتراضية، قبل أن أنظر من خصاص على ما جرى في الشأن اليمني مرتين. وأتذكر يوم رعى الملك عبدالله، في مكة، اتفاقاً بين منظمة التحرير وحركة حماس، أنني كتبت في اليوم التالي مقالاً كي ينشر في اليوم الثالث في صحيفة “الأسبوع” الصنعائية (وقع الاتفاق مساء الثلاثاء، والخميس موعد الأسبوع). أدليت فيه برأي قاطع أن الاتفاق سوف يتهاوى وينهار. ولم يتم التقدير على الضرب بالودع أو على أي نوع من أنواع التنجيم، لأن الاتفاق لم يقم على رواسٍ قوية، ونقطة الضعف فيه هي موقف حماس من وحدة العمل الفلسطيني.

ثم قد نتذكر أن اتفاق الطائف رحل المأساة اللبنانية، ولم يقطع أوردتها. ولا أريد أن أمضي حكماً بعدم كفاءة الدبلوماسية السعودية، ذلك أن الذي يحدد المصائر والمقادير هي القوى التي تشكل تفاصيل المشهد داخل البلاد، وليس المتدخلون من الخارج سواءً جاؤوا سعاة خير أو دعاة فتنة.

في اليمن، لم تكفَّ السعودية عن أن تكون حاضراً وفاعلاً منذ نشأت كدولة قبل 100 سنة. فلما قتل عدوها القديم، الإمام الذي هزمته وانتزعت منه الأقاليم الثلاثة التي كانت تمثل السلطنة الإدريسية، هرعت بالحيلة والدبلوماسية لمساعدة ابنه وولي عهده أحمد يحيى حميد الدين، كي يستعيد عرش والده، ثم ألقت بثقلها كله بعد 14 سنة لمناصرة ورثته، وعملت بالسلاح والذهب والسبل كافة كي تنقض على ثورة 26 سبتمبر.

بعد ذلك مضى التاريخ  حافلاً، ولاذع المرارة حتى أفضى إلى محطة صاخبة ارتفعت فيها الأصوات وعلا الغبار ولعلع الرصاص، فجاءت السعودية تفصل بين المتخاصمين، وكانت المبادرة الخليجية بمثابة فك اشتباك بين النظام الحاكم والمعارضة المتوثبة. كان هذا سنة 2011، بعد 50 سنة من تقويض الإمامة. ولقد تبين من بعد أن المبادرة اقترحها الرئيس السابق علي عبدالله صالح، حسب ما صرح  بنفسه، لكن المعارضة ابتلعت الطعم في سبيل أن تطعم عسل السلطة. ولم يدم الوقت طويلاً حتى ثارت الشكوك وأطل شيطان التفاصيل ولزم إجراءات سموها الآلية التنفيذية.

تلك المبادرة أنتجت حكومة تقاسمها المتطلعون إلى  السلطة والمتشبثون بها، وعلى قارعة الطريق ألقي بالشباب الذي أحرق لحمه في وهج الثورة، ثم وجه الحكام الجدد رسالة على وجه السرعة تحمل تحية لعهد الرئيس السابق بما أبدوه من فساد مقيت وعجز فاضح في إدارة الشأن العام. وفي الوقت نفسه، خلعوا الأبواب والنوافذ، وأشياء أخرى، أمام القادمين من عتمة التاريخ، فإذا بهم يدقون أبواب صنعاء، وبدا المشهد إعلاناً صارخاً بأن الماضي يقتحم المستقبل.

هنالك تبدت الفوارق مذهلة بين صورتي 2011 و2014، وظهرت فواصل بين مساحة الضوء والظلال والعتمة. ففي 2011 كان الثوار يلبسون الجينز والتيشيرت، ويقرؤون محمود درويش ونزار قباني وبابلو نيرودا، ويسمعون فيروز: للقدس أغني، وعلي الآنسي: في ظل راية ثورتي، وأيوب طارش: رديدي أيتها الدنيا نشيدي. وفي 2014 طرقت الآذان أصوات قادمة من مجاهل التاريخ، وضجت المدن بالمرافع والمزامير (ليست مزامير داود بالتأكيد) والزوامل والبرع. وبمعنى ما، فإن المبادرة الخليجية أدت إلى انتصار سبتمبر على سبتمبر، فقد طمس 21 سبتمبر آخر الملامح الباقية من 26 سبتمبر. ولم يفلح التدخل العسكري في إزاحة الكابوس، بقدر ما وطد أقدام الحوثيين في أراضي الجمهورية العربية اليمينية السابقة، باستثناء مساحات صغيرة متباعدة تخضع لمليشيات مسلحة تتناحر وتتقاتل وتشتغل بالأجر لدول في الإقليم، بينها دول عربية، مع فارق أن بعضها تلبس حلة شفافة للشرعية دون أن تخفي ولاءها الحقيقي، بينما تعمل الأخرى للخارج من غير إزار ولا حجاب وغطاء للرأس.

والمعنى المدرك لاتفاقي الرياض؛ الأصيل والمكمل، أن التحالف والذين معه ألقوا وراء ظهورهم أمر الحوثي ومحنة اليمن معه، ووضعوا تحت أعينهم ما يجري في الجنوب، وهم هنا رأوا نطاقاً مكسوراً أبعد عن أبصارهم نصف الصورة أو ثلاثة أرباعها.

مع ذلك، فقد بدا التعثر من رفض تمكين المسؤولين الذين صدرت قرارات بتعيينهم في عدن، ثم من استمرار الحريق في أبين وما وراءها. كذلك فإن إخراج القوات من عدن إلى محيطها لا يعني قطع دوابر الفتن، فإن الخطر لم يبارح ويجعل المدينة مرمى بعيداً وعصياً. وليس الشاهد أن مغادرة الرئيس هادي إلى أمريكا تفهم بأن الغياب إعراض مقصود وراءه إدراك بأن الآخر يراوغ ويخاتل.

كما أن تطاول الوقت قبل تشكيل الحكومة يضيف إلى الشكوك والمظان والمخاوف من أن تتخلق حكومة شبيهة باللواتي كانت وولت إذا لم تزد في محياها ملامح جاذبة للسخرية والتهكم والضحك.

وليس من أحد لا يعرف أن معين عبدالملك أخذ نفسه بالصبر وطول البال، وحمل وزر سيئات وزراء في حكومته تمتعوا بكفاءة ناقصة وفساد وفير واستهتار بالمسؤولية كبير. ولقد كانوا عبئاً لا يطاق، وكان الخطأ في أساسه أن الرجل وُضع على رأس حكومة تعفنت في أدراج ثلاجة  انقطع عنها التيار.

والآن، وقد أوكلت إليه مسؤولية ما بعد الرياض، فمن الواجب أن يكون له رأي لكي لا يحمل وزر  من سيشتغلون معه.

إن اختيار أعضاء الحكومة من الأحزاب والقوى المتحالفة والمتنافرة، يضعف قدرة رئيسها على قيادة فريق كفء، وعلى الأقل التفاهم مع فريق محترم. أما وأن الأمور قد تمضي في هذا المجرى، فلقد يتعين أن يمنح رئيس الحكومة حق التصرف حين يجد نفسه مرة ثانية مع مساعدين يسيحون في العواصم والفنادق، وأن يتصرف دون العودة إلى الأحزاب، فيختار من عنده بحسب ما يقدر ويرى.

ذلك بالنسبة للشق الظاهر من جنوب اليمن، حتى إذا ما أمكن الإمساك بالجنوب كله، يكون التفكير بأن الشمال مطلب لا بد منه لاستعادة أمل الوحدة، وإن طال الزمان.

ولا يجب.. لا يجب أن نقطع الرجاء رغم المخاوف والمهازل.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا