تعز بين صورتين وذكرى

1
106

 

محمد عبدالوهاب الشيباني

 (1)

الصورة الاعلى للمرحوم “غالب مخسو” صاحب مقهى الشعبي. الصورة للأستاذة “أروى عثمان” أول ما وقعت عليها قبل سنوات … تذكرت المقهى الشعبي الذي يربض في صعود اسفلتي ضيق في اعلى الجحملية حيث يؤدي الطريق الى منطقة صالة وقصر الإمام أحمد غير البعيد، وتشكل هذا الحي على مبذولات القصر للوظيفة والجاه ومطامع السلطة.

.. ذكرتني ، هذه الصورة بتفاصيلها ، بطريقة  تحضيره للبُّن المحلَّب والشاهي المفوَّر بذات الطريقة التي يُصنع بها في مقاهي صنعاء العتيقة بالدافور السويدي أو مواقد الجمر..  وتذكرت  معها البِرعي الذي يحضَّر في المنازل القريبة من المقهى بذات طريقة صناعته في بيوت باب اليمن  أو بيوت  باب السبح  في صنعاء قبل أن ينقل لبيعه في السوق .. تذكرت الكدم الساخن الذي كان يُستجلب من فرن العسكر القريب… تذكرت الطرمبة ( بلح الشام)  التي لا تتشابه بغيرها في اليمن، والتي لم تزل عنواناً دالاً على الحي.

الصورة ذكرتني أيضاً اللهجة الهجينة التي تشكلت  في هذا الحي من لهجات محلية متعددة .. وبالنادي الأهلي وجمهوره المتعصب..  تذكرت البساتين التي كانت تحوط المنازل القديمة في أطرافها ، وكانت ذات وقت جزء من ثعبات التاريخية وقصور الرسوليين التاريخية التي عددها محمد بن محمد المجاهد في كتابة الأجمل ” مدينة تعز غصن نضير في دوحة التاريخ العربي “.. تذكرت المنزل  المصادر لاستاذنا المرحوم الشاعر  محمد عبد الباري  الفتيح المتواضع حيث أكلت فية الذ عصيد من ايدي أم مطر .. والأهم تذكرت الصورة الاشكالية التي كانت تُرسم عن الحي  المختلف في الوعي التجزيئي للكائنات العصبوية في متاريس المتحاربين  التي حولته في سنوات الحرب الى ركام، وتاريخ متقد من الضغائن.

(2)

الصورة الثانية لـ” علي ناجي” المعروف بـ” علي مدرة” التي وجدت بأرشيفي وذكرتني بالمدينة القديمة  بمعالمها الرسولية ولهجتها الخاصة ، التي تميزها عن غيرها من أحياء المدينة  منذ دخولك من أحد بابيها الكبيرين من جهتها الشرقية أو باب موسى من جهتها الشمالية ، تذكرت مطارح الرسوليين ومساجدهم ومدارسهم والحواري التي تسمت باسماء ملوكهم او بأسماء نسائهم.

تذكرت الزي الذي يتقيَّف به رجالها المسنون  ” الثوب العربي واليلق العصري والكوفية التي تلتف عليها الشيلان الهندية الملونة التي تترك فراغاً للمشاقر”

  وأن تتذكر علي ناجي  في تفاصيل الصورة  يعني أنك ستتذكر تحضيره للفول البلدي  بالطريقة التقليدية  في أوعية فخارية وحجرية،  فهو لا يستخدم الغاز في طبخه  ويستبدله بالحطب وأحيانا بالكراتين، التي يضعها أسفل الجرائد الحديدية التي تضع عليها المواعين.

اما الفول البلدي المنقوع والمنضَّج  بوعاء من النحاس القديم فلا يدخل في تحضيره سوى البصل والثوم الأخضر والكزبرة والبهارات الحارقة، والسمن المحلَّب الذي حل محل السمن البلدي.

وحتى تنضج الطبخة عليك الانتظار طويلاً، وستبدد وقتك  غالبا بسماع “عرعراته ” لكل من يشاغبه من المارة  أو تكاسل أحد من ابنائه الذي يساعدونه .

اما تناول فوله بالخمير التعزِّي المزيَّن بالحبة السوداء  و الشاهي الاحمر المُنعنع الذي  يحضِّره الأب على موقده الطيني الأبيض  فهي اللذة بعينها.

إنها تعز الذكرى المدهشة والذاكرة التي تتقد بدواخلنا مثل نار مقدسة.

 

1 تعليق

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا