الجزائرية جميلة بن سعد: قصتي مع الغناء اليمني

0
25

جميلة بن سعد

قصتي مع الأغنية اليمنية بدأت حين شاهدت على احدى القنوات الفضائية أبوبكر سالم بلفقيه، لأول مرة، وهو يدندن “شيبي متعب شبابي”.

وقتها لم اكن اعرف اسمه إلا أن حضوره الطاغي وانسياب صوته القوي مع الكلمة واللحن كان امرا جديدا و مدهشا بالنسبة إلي، فأنا لم اعتد سماع مثل هذه الإيقاعات حيث أن خزّاني الموسيقي كان جزائريا فرنسيا ومصريا.

فجأة صرت أتطلع الى سماع بلفقيه وأسعى إلى اكتشاف المزيد من إبداعاته إلى أن مررت بجلّ أغانيه المتاحة (عبر موقع يوتيوب سواء الحفلات والجلسات أو التسجيلات.

أداء بلفقيه كان دافعي الى حب تراث بلد بأكمله. كان فعلا صوتا بحجم وطن (بالنسبة إلي على الاقل).

مع المتعة يأتي الفضول ولَإنْ معظم كلمات الأغنية اليمنية مفردات عربية قحّة فقد وجدت صعوبة في فهم بعض ما جاء باللهجة اليمنية التي لم أعتد سماعها، مع ذلك وجدت أن الكلمة في الأغنية اليمنية نغمة في حد ذاتها حتى قبل أن تلبس اللحن.

جال مسمعي بين الطّبوع (الأنواع) الغنائية اليمنية المختلفة ومن خلال أجمل الأصوات أيضا.

لست من العارفين في الموسيقى ولكن شيء ما كان يدفعني الى البحث عن أكثر الاغاني قِدما. انها تحف فنية بامتياز. فسيفساء بتفاصيل مذهلة وغزيرة التنوع.

تحولت مكتبتي الموسيقية الى مزيج من الحضرمي والصنعاني و اللحجي، صارت جزائرية يمنية.

“الملالاة” نفّاذة وآسرة. حين سمعتها لأول مرة وجدت فيها تقاربا مع الموّال الشاوي الجزائري القديم. كلاهما يحكي المعاناة وكلاهما يعتمد اساسا على خامة الصوت ويشعرك بانتماء حتمي الى الزمان والمكان.

ميزة المطربين اليمنيين انهم يستطيعون اداء نفس الأغنية بنغمات مختلفة والامثلة كثيرة كما ان ارتجال معظمهم يكاد يكون ظاهرة قد لا نجدها الا نادرا عند بقية المغنين العرب.

ثمة خاصية اخرى ينفرد بها اليمن وهي ان معظم مطربيه عازفي عود إلا أن العزف على العود في اليمن مختلف، فأنت حين تستمع الى بعض الوصلات خاصة في الصنعاني تشعر انها قادمة من اعماق التاريخ. أما إذا حضر المزمار فقد اكتمل الحضور.

 لا زلت اعتقد ان رنات المزمار اليمني تحرك وجدان اي انسان مهما كانت هويته.

اغان يمنية كثيرة لا امل من سماعها:

“حي الربوع”، “وامغرد بوادي الدور”، “لقيته في المسقى”، “يا بروحي من الغيد”، “عيني لغير جمالكم”، “حيث حليت يا ريم اليمن”، وكذلك كل أغاني بلفقيه.

وأحيانا ما أجد تناغما عجيبا بين وقع نغمات القنبوس والمدرجات الجبلية المخضرة. كما أجد انسجاما لا يفسر بين عراقة القصائد القديمة، خصوصا الشعر الحكمي وشموخ المدن المعلقة التي تشق العنان في مشهد مذهل.

للأسف لم يحظ الطرب اليمني بالمكانة الذي يستحقها في العالم العربي رغم عبقريته، ويجهل البعض أن أغلب ما يسمى بالأغاني الخليجية هو في الواقع يمني الأصل.

وإنها لمفارقة، قاهرة حد الوجع، أن يشهد هذا البلد الزاخر بالتراث وعمق التاريخ، حالة احتراب ودمار غير مسبوقة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا