البردوني يعترف بلا توبة

0
47

 د. نجيب الورافي

عرف عن الشاعر عبدالله البردوني ميله إلى الظرف والطرافة مثلما عرف عنه تمرده الساخر والمتهكم سواء على المستوى الشخصي أو على صعيد تجربة الشعر لديه  ففيما يخص المستوى الشخصي يروي أصدقاؤه والمقربون منه كثيرا من مواقفه الطريفة الساخرة له مع محيطه اليومي الحياتي وحتى بما كان يحكيه هو عن نفسه وما يمكن استنتاجه عن هذا الجانب من شخصيته في أحاديثه ومقابلاته مع وسائل الإعلام المختلفة.

كان حاد الذكاء سريع البديهة بعيد الحدس والاستشراف عميق التأمل فانعكس ذلك على خطابه لمن حوله في أحاديثه ونكاته اللاذعة وتهكماته الحادة الموجعة.

طالت نكاته مقامات الساسة البلهاء وأرباب العروش الطغاة كما صوبت سهامها نحو نماذج المثقفين المدجنين ومدعي الثقافة السطحيين وحاكم مواطن الخلل والنقص فينا وكانت أحاديثه الخاصة مع الخواص بمثابة أحكام على مايحدث في شؤون السياسة والتعليم والثقافة كما كانت بمثابة تقييم حصيف وعادل للقضايا الوطنية والاجتماعية وما يحدث على الصعيدين القومي والإنساني فعن منطق معرفي وخبرة ومراس حياة صاغ اعتقاده عما حوله وتمثل موقفه الخاص المتميز فلم ينسق مع السائد الذي يعتقده خطأ ولو أجمع عليه الناس.

 على صعيد الشعر فإن فيلسوف التمرد الإنسان هو ذاته وبحذافيره فيلسوف التمرد الشاعر. البردوني شاعر ساخر متهكم مثل أنموذجا فريدا للمثقف العضوي الملتزم المنسجم وغير المتناقض مع ذاته بالفعل والقول. استطاع تمثل نزاهة الموقف وصدق الكلمة وانحاز للعدل والحق وتمرد على ما عداهما. هاجم المتغطرس الأقوى ليقف في صف الأضعف الأوهى.

لم تتعد مدحياته الأصبع الواحدة وحين مدح إنما ليدين ويستنكر ويهاجم وينتصر للمظلومين المقهورين. هذا التواؤم بين موقف الذات وموقف الشاعر قل أن نجده في مثقفي عصرنا حتى حين كتب عن ذاته نجد وجودنا حاضرا فيها وقضايانا.

نجدنا مسقبلا محدث البنى إنسانا وقيما ومعتقدات ووجوه حياة يسري ذلك على أدق تجارب الشاعر ذاتية وخصوصية كما سنرى في قصيدته التي بين أيدينا.

القصيدة هي (اعتراف بلا توبة) وهي من تجارب البدايات الأولى للبردوني التي تكشف عن نبوغه المبكر في مضمار الإبداع الشعري وعن ارتباط أسلوبه بالتهكم الساخر منذ البداية ناهيك عما مثلته من طرافة وإثارة وتشويق لاسيما وهي تمثل موقفا ذاتيا وحكاية شخصية للشاعر ذاته وتعود بنا إلى مرحلة الصبا بما لها من طاقة وأحلام وجنون وغواية.

تحكي القصيدة قصة غياب الصبي الواعد عن دروسه فتناهى إلى أستاذه وشاية أن تلميذه مشغول بمغامرات وعلاقات عاطفية فاستثار ذلك حنق الأستاذ وغضبه وصار يباكت تلميذه المتهوم ويرده عن دروسه.

كتب البردوني (اعتراف بلا توبة) عام 1947 م إلا أنه قد أخر نشرها إلى مرحلة لاحقة فضمنها فيما بعد ديوانه (لعيني أم بلقيس) وفعل ذلك متعمدا بطلب من أستاذه ذي الصلة الرئيسة بموضوع القصيدة ومناسبتها وهو ما صرح به الشاعر في عتبة التصدير التي تلي العنوان مباشرة (غابت هذه القصيدة عن الدواوين السابقة إجابة لرغبة أستاذنا الذي وجهت إليه ولما أصبح بلا رغبة لدخوله عالم الصمت رغبت القصيدة أن تخرج من مخبئها كصورة لتحدي الصبا وكصورة لأفكار أساتذة الجيل الماضي).

يسجل التصدير عدة قضايا: الأولى منها ارتباط القصيدة بمرحلة الصبا للشاعر وتحديدا حين كان تلميذا في جامع (المدرسة الشمسية) بذمار مسقط راس البردوني وكانت (الشمسية) أحد روابط العلم الكبرى في اليمن خلال النصف الأول من القرن الماضي ويؤمها طلاب العلم للدراسة على يد علماء أجلاء مبرزين في العلوم الدينية واللغوية المختلفة.

في (الشمسية) تلقى البردوني علوم الدين والشريعة واللغة العربية وآدابها والمنطق وعلم الكلام فكانت بمثابة المنهل الأول والرئيس لثقافته المعرفية والأدبية وعنها وبها أثمر نبوغه الشعري المبكر.

  الثانية: ارتباط القصيدة بمناسبة محددة تتمثل في خلاف بين الشاعر الصبي وأحد أساتذته (لطف).

الأستاذ يندد بإهمال التلميذ معرضا بسلوكه المشين فهو من وجهة نظره مستهتر غير منضبط مستغرق في الغواية والرغبة ما ألهاه عن دروسه فيما التلميذ يصر على حقه في حرية ما يفعل خارج رباط الدرس.

يا (لطف) مهما لمتني لم أدع

هذا السلوك الشائن الممتعا

 الثالثة: مثلت القصيدة صورة للاختلاف بين رؤية الأستاذ المتشدد ورؤية تلميذه المتأمل كحكيم لا مجرد مراهق طائش مجنون بالرغبة والضياع.

كلتا الرؤيتين هي محط نظر القارئ إذ رؤية الأستاذ وردت في سياق تضميني فلم يقل عن أنها محاطة بقيود اجتماعية شرعية وبحدود صفة شيخ العلم المثالي والوقور.

يتسع المعنى في القصيدة ليتجاوز حدود تسجيل مناسبة عابرة أو لمجرد الإتيان بأسلوب طريف كما تتجاوز مجرد السجال حول الرغبة والجنس إلى تأمل عميق في معنى تلميذ علم كفيف البصر يعيش الكفاف ويعاني الأمرين بؤسا وإدقاعا ومعنى الأستاذ ومن في مستواه من صفوة مترفة ولذلك فهو وإن بدا في ظاهر القول يخصه بالسجال فإنما يعني فئة مجتمعية أوسع مستهدفا ميزان العدل في القيم والمثل وفي النزوع للرغبات والغرائز وفي ضرورة الفصل بين ما هو مثالي وبين ما هو نزوعي لصيق بنقصنا البشري وهو ما رآه مطلعا للبدء في السجال والحجاج مع أستاذه.

إن يدع العلم… فلا فرية

فالصدق كل الصدق فيما ادعى

لكن سر العلم.. في نفسه

كالعسل الصافي خبيث الوعا

العلم مثال النفس الإنسانية واللب الذي يمثل وجودها الحقيقي وجوهرها لكن هذا المثال هو بحكم الإمكان محاط بغلاف ذات إنسانية من لحم ودم.

غلالة رغبات وغرائز قد تعميها عن الصواب في النظر وإصدار الأحكام في القضايا والمواقف يحدث ذلك رغم تحصنها بالعلم فهي محمولة من وجهة نظر الشاعر الثائر لذاته على سوء التقدير في الأحكام وفي فهم ما حولها ومفاهيمه معا.

يقول شيطان وشيطانة

دعت قلبي أو هفت إذ دعا

وكأنما يضمر الدعوة إلى الرقي في النظر إلى الأشياء من مستوى شيطنتها وحملها على سوء الظن إلى مستوى النظرة الواقعية الواسعة المنفتحة لماذا لا ينظر الأستاذ إلى حال تلميذه بعين السماح والغفران وينظر إلى ما رآه هفوة على أنها عاطفة عشاق ألاف ينبغي مألوفيتها وإسباغ الرضا والقبول عليها.

ولم يقل إلف ومألوفة

تجمعا سبحان من جمعا

نكتشف أن جدل التلميذ لأستاذه تجاوز مستوى حادثة محدودة إلى الحجاج في قضايا التفاوت والعدل والمساواة لم يكن أمام التلميذ غير البحث عن أدلة منطقية وقياسية لإظهار حجته وليقنع معلمه الغاضب ففيم برر الأستاذ موقفه المتشدد بحرصه على إصلاح حال تلميذه الغاوي عد التلميذ هذا الصنيع من قبيل الادعاء فيما الحقيقة من وجهة نظره أنه يضمر الغيرة والحسد على كثرة ما لهذا الأستاذ من نعيم المضجع وفيض اللذة.

لأنني استحليت أمسية

يردني عن درسه مرجعا

اندفع التلميذ إلى القياس على ما لدى أستاذه مما عده حراما عليه معرضا بفصام الشيخ بين ما يراه حقا له وباطلا لسواه فحاجه بهذا الأسلوب الطريف.

إن كنت ألقى نادرا حلوة

فهو يلاقي دائما أربعا

أريد أنسا مثله أشتهي

كالناس أن أروى وأن أشبعا

يتخلل حجاج التلميذ هذا السياق التهكمي حين يصف أستاذه بالمفضال تورية تحتمل معنى الفاضل بارتباطها بلفظ يا سيدي كما تعني الفضولي المتدخل فيما لا يعنيه.

يا سيدي المفضال قالوا ترى

تعليم مثلي قط لن ينفعا

أغلقت باب البيت والدرس في

وجهي سألقى الدرس والموضعا

بأسلوب سردي قصصي يتوالى صوت التلميذ محاجا ليس من وسيلة لإثبات ما يعتقده حقا وعدلا يرفع عن ذاته الإهمال والنسيان إلا ولجأ إليه لم يخجل في سبيل ذلك وهو يتهكم على نفسه في هذه الصور الطريفة.

أبصرتني من بيتها خارجا

كالكلب أمشي واجفا مسرعا

قصيدة (اعتراف بلا توبة) بالنظر إلى تأريخ إنتاجها قد مثلت رؤية تجاوزت زمنها بكثير. وهي قياسا إلى ما كان بمثابة صدمة للآخر فمن بوسعه حينها أن يجاهر هكذا.

نعم جرى هذا وإن تبتغ

شهادة أخرى سل المضجعا

فلأعترف لا ناويا توبة

إني ومن سميت بتنا معا

 في تجارب البردوني الخاصة لم يكن تمرده مقتصرا على مهاجمة البلى والتأخر في فكرة فرد أو جماعة معينة بل سعى إلى مطاولة أنساق أوسع فهو يخاطب مجتمعا بأكمله ويهاجم قصور الوعي على مستوى منظومة الإنسان فردا وجماعة وقيما وطريقة تفكير كما أن تحديث النظم في رؤيته قد شمل الفن أيضا وهو ما لمسناه في هذا النموذج الشعري المبكر فالقصيدة بأسلوبها السردي القصصي المتراسل بسلاسة وباعتماد الحوار والحجاج طريقا للفكرة كانت بمثابة سجل لنبوغ حداثي مبكر لشاعر طالما بتميزه الحداثي ملأ الدنيا وشغل الناس.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا